أحمد بن علي القلقشندي
49
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تقليد الملوك والوزراء ، وتقدمة الجيوش وتأمير الأمراء ؛ وفي الأمصار يقرّ بها من شاء من الجنود ، ويبعث إليها ومنها ما شاء من البعوث والحشود ؛ ويحكم في أمرها بما أمر ( 1 ) اللَّه من الذّبّ عن حريمها ، ويتحكَّم بالعدل الذي رسم ( 2 ) اللَّه به لظاعنها ومقيمها ؛ وفي تقديم حديثها واستحداث قديمها ، وتشييد ثغورها ، وإمضاء ما عرّفه اللَّه به وجهله سواه من أمورها ؛ وإقرار من شاء من حكَّامها ، وإمضاء ما شاء من إتقان القواعد بالعدل وإحكامها ؛ وفي إقطاع خواصّها ، واقتلاع ما اقتضته المصلحة من عمائرها وعمارة ما شاء من قلاعها ؛ وفي إقامة الجهاد بنفسه الشريفة وكتائبه ، ولقاء الأعداء كيف شاء من [ تسيير ] سراياه وبعث مواكبه ؛ وفي مضايقة ( 3 ) العدوّ وحصاره ، ومصابرته وإنظاره ( 4 ) ، وغزوه كيف أراه اللَّه في أطراف بلاده وفي عقر داره ؛ وفي المنّ والفداء والإرقاق ، وضرب الهدن التي تسألها العدا وهي خاضعة الأعناق ؛ وأخذ مجاوري العدوّ المخذول بما أراه اللَّه من النّكاية إذا أمكن من نواصيهم ، وحكم عفوه في طائعهم وبأسه في عاصيهم ، وإنزال * ( الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ ) * ( 5 ) . وفي الجيوش التي ألف الأعداء فتكات ألوفها ، وعرفوا أنّ أرواحهم ودائع سيوفها ؛ وصبّحتهم سرايا رعبها المبثوثة إليهم ، وتركهم خوفها * ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) * ( 6 ) وهم الذين ضاقت بمواكبهم إلى العدا سعة الفجاج ، وقاسمت رماحهم الأعداء شرّ قسمة ففي أيديهم كعوبها وفي صدور أولئك الزّجاج ( 7 ) ، وأذهبت عن الثّغور الإسلامية رجس الكفر وطهّرت من ذلك ما جاور العذب الفرات والملح الأجاج ؛
--> ( 1 ) في مآثر : « أراه » . ( 2 ) في مآثر : « وسم » . ( 3 ) في مآثر : « مصافّة » . ( 4 ) في مآثر : « ومقارعة شيعته وأنصاره » . ( 5 ) الأحزاب / 26 . ( 6 ) المنافقون / 4 . ( 7 ) جمع زجّ كرمح ورماح .